حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

286

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

يمينا وشمالا ، ويرسل اللّه تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابسا من ماء الشهوات ، فيخوض موسى القلب وصفاته فيعبرونه وتنجيهم عناية اللّه إلى ساحل وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] ويغرق فرعون النفس وقومه واللّه تعالى أعلم . ولما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه ، وعد اللّه موسى . ونسبه : موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام . أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة ، وإنما قيل أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي . وقال أهل التحقيق : لأن الليلة وقت العبادة والخلوة فخصت بالذكر لشرفها . ولعدد الأربعين خاصية لن ينكرها أهل الذوق ، ولهذا جاء في الحديث « من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » والجنين يتقلب في الأطوار في الأربعينات ، قال أبو العالية : وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور . ولا بد من تقدير مضاف أي انقضاء أربعين كقولك « اليوم أربعون يوما منذ خرج فلان » أي تمام الأربعين . ومن قرأ واعَدْنا من المواعدة فمعناه أن اللّه تعالى وعده الوحي ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور . وذكر الأربعين هاهنا مجمل وتفصيله في الأعراف كقوله : ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [ البقرة : 196 ] فصل أولا ثم أجمل . ومعنى « ثم » في قوله ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ استبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له ، لأنه تعالى لما وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين تنبيها للحاضرين وتعريفا للغائبين وإظهارا لدرجة موسى وسائر بني إسرائيل ، وأتوا عقيب ذلك بأشنع أنواع الجهل والكفر ، كان ذلك في محل التبعيد والتعجيب كما تقول : إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء . والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء ، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه « فعل » « يفعل » وقالوا : يخذ يتخذ ، وقد أجرى اتخذ مجرى الأفعال القلبية في الدخول على المبتدأ والخبر نحو « جعل » و « صير » والتقدير : اتخذتم العجل إلها إلا أنه حذف الثاني للعلم به ولذكره في مواضع أخر منها في طه فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [ طه : 88 ] وقوله من بعده من بعد مضيه إلى الطور . قال أهل السير : لما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي التي استعاروها من القبط ، قال لهم هارون : إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها ، فجمعوا نارا وأحرقوها . وكان السامري في مسيره مع